حرب ال16 سنة وحرب ما بعد 13 نوفمبر

الفروق بين مرحلتي حرب الست عشرة سنة وحرب ما بعد ثلاثة عشر نوفمبر لا تتعلق بالجوهر، كلها تفاصيل فرضها الزمن الفاصل بينهما، ويبقى وجود وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها أهم تلك التفاصيل حضورا، ويعود لها وحدها تداخل النقاشات حول العمل العسكري، وتطريز حواشيه بالظفر حينا أو تلويثها بالهزيمة أحيانا.
لم تخض جبهة البوليساريو منذ إعلانها حربا بتكافئها وخصمها، كانت إسبانيا حين اندلاع الكفاح المسلح، دولة أوروبية قائمة منذ عقود، يواجهها بضع رجال، لا سابق لهم في التكوين العسكري، أسلحتهم من موروث مقاومة عرفها أجدادهم قبل ثلاثينيات القرن الماضي، ثم كان الاحتلال المغربي، مدعوما بتقسيم اتفاقية مدريد، والتي شطرت الصحراء الغربية إلى شطرين، يحف كل واحد منهما جيش له تكوينه ومعداته، وكانت البوليساريو حينها، بالعدد القليل نفسه والعتاد الموروث والمغنوم تحارب على جبهتين. إذن تكافؤ القوى من حيث عدد المحاربين وعتادهم لم يكن موجودا منذ البداية، والأكيد أيضا أن البوليساريو التي أعلنت شعار: بالبندقية ننال الحرية، لم تضع صلب اهتمامها تحقيق التكافئ، بل العمل على تجاوزه والتعامل معه.
في حرب الست عشرة، حولت الجغوار الفرنسية وديان تيرس ووهادها أنهارا من دماء شهداء الشعب الصحراوي، وروت دبابات ومدافع الاحتلال المغربي حواف الساقية الحمراء بدماء الأبطال الشجعان، وخلال تلك الحقبة كان قادة الجيش يسقطون في ميدان الشرف رفقة زمرهم وجماعاتهم، مقبلين جميعا غير مدبرين، وفي حرب الست عشرة سنة، يصعب إحصاء عدد الشباب الشهداء، فالإقبال والتناقس حينها على التضحية في سبيل الوطن ديدن الشباب، فغادر مضارب الأهل أو مقاعد الدراسة نشودا للشهادة. وفي تلك السنوات المريرة، كالتي نعيشها اليوم، كان قاضي المخيم، المخول الوحيد لاشعار عائلات الشهداء بالخبر المفجع.
اليوم، ونحن نعيش بدايات السنة الثالثة منذ استئناف الكفاح المسلح، وعطفا على ما سبق، تطرح مجموعة أسئلة نفسها بإلحاح منها:
هل تخلت البوليساريو عن حقها في الكفاح المسلح خلال عقود السلام الأخرق الثلاثة؟ وهل يجوز لأي صحراوي مناضل نقاش العمل العسكري، من المعدات إلى التسليح فالآفاق المستقبلية على الملإ؟ وكيف تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في رفع معنويات الشعب الصحراوي أو تدميرها؟
لم تخف يد السلام الصحراوية الممدودة لمنتظم دولي يقر العدل ولا يطبقه، لم تخف اليد الأخرى الموضوعة على الزناد، فحرب الست عشرة سنة، والتي حسبها الحسن الثاني نزهة أسبوع، هي من فرضت على ملك تدعمه أمريكا وإسرائيل قبول الاستفتاء والشروع في مخطط السلام، وعليه، كانت دائما توقعات استئناف العمل العسكري طافية بكل المحطات السياسية، وأصبحت خلال السنوات الأخيرة في حكم المؤكد. إذن، لم يكن في يوم من الأيام استئناف الكفاح المسلح في الصحراء الغربية خطوة خارج الإجماع الوطني، بل كان أهم غايات السنوات الأخيرة وأبرز تحدياتها، فقد أفرغت البعثة الأممية من أهم أسباب وجودها وهو الاستفتاء، وأصبح العالم ينتظر لحظة ذروة السأم الصحراوي وتخليه النهائي عن قضيته تحت وطأة انتظار غودو. لكن استئناف العمل العسكري، وعودة روح الفداء والتضحية للصحراويين، نسفت نظريات الاحتلال المغربي حول القضية، ورمت بتوقعاته في مهب الريح.
وعبر هذا الفضاء الموبوء بالأخبار الزائفة، لا أعتقد أنه من الراجح نقاش أو تداول شؤون الجيش الصحراوي، فالتسلح والحلفاء والخطط العسكرية، كلها شأن عسكري داخلي، نجاحه مرهون بكتمانه. وأعتقد كذلك أن الجميع على إدراك بأن التجربة العسكرية الصحراوية السابقة لم تعد مجهولة بالنسبة للعدو، ذلك أن الخونة والجواسيس، عملوا على إفشاء مميزات المقاتل الصحراوي في تعامله مع الأرض ومواقع العدو، وهو الآن- أي المقاتل-بحاجة للابتكار، وهذا الأخير يفسده حديث العامة في شؤون الجيش وخصوصياته.
إن المقاتل الصحراوي، أسمى من أن يصبح نقطة نقاش من أي مستوى كان، فهو قد رفع روحه على كفه ابتغاء رضى الله ونيل الشهادة، مخلفا دنياه وأهله، يعرف أن الموت يتربصه كل حين، وبهذا التسامي الذي لا يطاله ” العاكفون” على لوحات مفاتيح هواتفهم، على الجميع الكف عن حديث المقاتلين، فالذين يتفادون نزلة البرد لا يمكنهم تقييم عمل الذين ينتظرون الموت عند فوهات مدافعهم.
وعن وسائل التواصل الاجتماعي وأثرها، يتضح بشكل جلي جدا، الأثر السلبي الذي تخلفه حين تداول أخبار الشهداء، والوجع الكبير الذي تعانيه عائلات الشهداء وهي تتلقى الأنباء الحزينة عبر فضاء الفيس بوك. ونعلم جميعا درجة التكتم الكبير التي يضربها الاحتلال المغربي حول أخبار خسائر جيشه وموتاه، وكيف يفرض على عائلات الجنود القتلى الصمت، وكيف أن التنكر للحرب ونكران خسائره اليومية فيها، يساهم في استمرار مداخيله من السياحة ونهب خيرات الصحراء الغربية، والإيحاء كذلك بسيطرته على المنطقة، بينما نحن للأسف، نمنح العدو أخبارا مجانية، ونساهم في إشاعة الألم والانكسار.
المجد والخلود للشهداء ولا نامت أعين الجبناء.
النانة لبات الرشيد

شارك الموضوع
%d مدونون معجبون بهذه: