ليست الأشجار وحدها من تموت واقفة

بقلم:ماءالعينين لكحل
تقضي الرجولة أن نمد جسومنا جسراً .. فقـل لرفـاقـنا أن يعـبـروا ! *
لقد كان فقيدنا، وفقيد الشعب الصحراوي الجديد، علي بويا ولد لحبيب (الطفاح) تجسيدا رائعا لكل معاني الرجولة، والبطولة، والرفاقية الصادقة، وحب الوطن، وعشق كل مناضل يبذل جهدا مهما كان بسيطا خدمة لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب من دنس الغزو الهمجي الملكي المغربي.
توفي إذا ابن الصحراء الغربية البار، الذي عرفه جميع أهل الصحراء الغربية باسم “الطفاح”، وأحبه كل من عرفه، وكل من سمع بأخباره، أو صادفه في مظاهرة، او ندوة، أو حدث نضالي منذ أن كان ابن عشر سنين طفلا في مدينة الطنطان، حيث شارك في أول مظاهرة مطالبة باستقلال الصحراء الغربية هناك سنة 1972.
رضع الطفاح حب الوطن من سلسلة الشهداء والمجاهدين الذين عاش بين ظهرانيهم وهو سليل عائلة مجاهدة، وهو الطفل الذي فتح عينيه على نشاط الرعيل الأول من الشباب الصحراوي الثائر في الصحراء الغربية الذي سيجمع شتات المقاومة الصحراوية في إطار الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، البوليساريو، آنذاك سنة 1973، فنما الطفل مقاوما بالفطرة، مقاتلا شرسا بكل وسائل القتال، ومناضلا لا يساوم في الوطن، ولا يطيق مجرد ذكر الخيانة والخونة والخنوع.
ولعل القراء يتساءلون عن منصب ومكانة هذا المناضل الصحراوي الذي ملأت رسائل التعازي فيه كافة وسائط التواصل الاجتماعي، وغزت صورته حسابات آلاف الصحراويين؟ هل كان قائدا عسكريا أو سياسيا؟ هل هو وزير، أو سفير، أو مسؤول من نوع ما؟ والجواب، ابداز بل هو مجرد مناضل وطني من الجماهير الشعبية الصحراوية.
لم يسع “الطفاح” قط لتبوء أي منصب سياسي، وقد كان قادرا بفضل شعبيته أن يتبوأ أي منصب لو أراد. لكنه رغم ذلك كان قائدا فعليا ميدانيا، شعبيا، معروفا لدى الجميع، وكان يقود المعارك اليومية خلال السنوات الثلاثين الماضية، على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المظاهرات التي تجمع الجالية الصحراوية، مثلما كان يناضل قبل ذلك في الثمانينات والتسعينات في المناطق المحتلة حيث عاش عقوده الثلاثة الأولى.
وقد أصيب هذا المناضل الفذ بمرض عضال، يهد الجبال، لكنه لم يستطع أن يهزم عزيمة وصبر وإيجابية “الطفاح”. حتى الأطباء الاسبان الذين عايشوا حالته لسنوات، قالوا أن جمال روحه، وصبره ألهمهم ومنحهم الأمل، في الوقت الذي كان من المفترض أن يكونوا هم من يفعل ذلك له.
لقد كان كبيرا حتى خلال السنوات الأخيرة من مرضه، حيث كان بين جلستي علاج كيماوي، يجد الوقت للمشاركة في مظاهرة، وحضور نقاش حول القضية، والبحث عن فرصة إطلاق مبادرة وطنية هنا أو هناك، ناهيك عن متابعته اليومية لكل الأخبار، واتصاله بمئات المناضلين هنا وهناك لربط جسور التواصل بينهم، وحثهم على العطاء، ومناقشتهم في ما قد يشغلهم من أمور أو مستجدات. كان يعيش القضية في كل دقيقة من دقائق حياته، وكأنه يسابق الزمن لإنجاز أكثر ما يمكن قبل أن يقول وداعا.
لم يتخلى الطفاح عن قضيته بحجة المرض، ولا ترك المرض ينتزعه من عشقه الأول والأبدي، الوطن، وتوفي وهو يدافع عنه من سريره في مستشفى، باسبانيا، ليترك في قلوبنا جميعا غصة، وألم، وشوق لرؤية ضحكته التي طالما أدخلت السرور علينا نحن رفاقه، وعلى كل من عرفه من الصحراويين ومن غيرهم.
والآن، مات علي بويا ولد لحبيب الطفاح واقفا، شامخا، مناضلا، مقبلا غير مدبر، واستحق منا نحن رفاقه أن نقف له إجلالا وإكراما، لنحييه على استكماله مسار البطولة حتى نهايتها، ليبقى واقفا شامخا بذكراه مثلما تقف الأشجار شامخة حتى بعد موتها.
رحم الله الطفاح اعلي بويا ولد لحبيب، والهم أهله، ورفاقه، وشعبه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

  • من قصيدة للشاعر السوري عمر أبو ريشة
شارك الموضوع
%d مدونون معجبون بهذه: