درس الطفاح

الكتابة لرثاء الطفاح وتأبينه، تستدعي جَلدا لا يملكه المتألمون لفقدانه، وتفرض منجدا لغويا، مصفف المترادفات، يعجز الحزانى لرحيله فتح دفتيه.
هو اعلي بويا” الطفاح” ، حياة طافحة بجذوة النضال الناصع والعنفوان المتجدد، والمرح والبساطة الخرافيين، وموت مشرف، سجل أمامه أروع صور الصبر والتحمل. في حياته وموته درس؛ خاصة للذين التبس لديهم العهد ونكثه، وشحبت أمامهم صورة الوطنية حتى تشابهت وضدها، والذين لم يعد لهم تمييز بين الشجاعة والجبن.
فالطفاح رابط بوطنيته ونضاله منذ صباه، وهو يسمع حكايات ذويه وجيرانه عن إرهاصات اندلاع الثورة، وحين عرف نحيب ثكالى وأرامل وأيتام قلعة مكونة وآكدز، والطفاح حمل وطنه في قلبه وروحه على كتفه، وسار بهما ليلا ونهارا تخوم عدوه، حتى وصل بر هجرته. والطفاح ظل محافظا على غاية هجرته، فقد كانت لله ولوطنه، ولم تكن مطلقا لدنيا يصيبها، وقد خرج من دنياه ولم يخلف درهما أو دينارا .
والطفاح الذي عرفته سوح النضال في سبيل الوطن المختلفة، الرحبة حينا والضيقة أحيانا كثيرة، عرف الموت رفيقا لصيقا منذ سنوات، فتحداه ببطولة لا نظير لها، ساخرا من ديناصور السرطان الملتهم أحشائه يوما بعد يوم، محولا يوميات المرض اللعين إلى فسح من الأمل والمرح .
لقد عرفت ساحات مدريد وبلاد الباسك وجزر الكناري وغيرها، مئات الصحراويين المناضلين من أبناء المهجر، بيد أن خطى الطفاح الحثيثة نحو مظاهرات التضامن مع شعبه، والمنددة باحتلاله، وصوته الملبي نداء الوطن، شكلا تميزه لاستثنائية وضعه الصحي وحرجه، فكم مرة فصل أجهزة العلاج الكيماوي من جسده، استعجالا منه للمشاركة، وكم حصة علاجية ترك قربانا للحضور.
كان يقين الطفاح بقدر الموت المحتوم راسخا، حد تحويل السرطان من شبح مخيف إلى عارض يومي بسيط لا يشغل بال رجل مثله، يحمل هم قضية عادلة وحلم وطن حر كريم، كان السرطان بالنسبة للطفاح أتفه من أن يشغله عما يمكنه فعله من إضافة لمشروع التحرر، وهذا لعمري أعمق أغوار الإيمان واليقين وأرفع مراتب الشجاعة والصبر.
أنا لا أعرف كيف أكتب عن الطفاح، لكني أقر أني تعلمت منه الكثير، أهمه الصبر والتحمل، وتحويل النقم إلى نِعم، بالتحدي والقناعة واليقين، وأنا التي مازحني محتضرا، معبرا عن رضاه بلحظة الحقيقة الزاحفة إليه، أعزي فيه نفسي وعائلته، وخلان له منهم: أبا الحيسن وأبي بشرايا وامينتو حيدار وبلاهي التيرسال والنخ بدة، وآخرون كثر، كان الطفاح قاسمنا المشترك جميعا، فقد كان بكل شجاعته ونبله ووطنيته قِبلة ومحجا.

بقلم:النانة لبات الرشيد

شارك الموضوع
%d مدونون معجبون بهذه: