الوحدة الوطنية …ام المكاسب و درع المشروع الوطني

بقلم :د.مولود أحريطن.

توطئة :

إدراكا منهم لكون الوحدة و التكاتف و التلاحم هي مصدر قوة أي شعب أو أمة، و هي العوامل الأساسية لإنجاح أي مشروع مهما كانت التحديات و مهما صعبت وتعقدت الظروف و كثرت الصعاب و العقبات ، انطلاقا من تلك القناعة أدرك  المؤسسون الأوائل أن خيار الوحدة الوطنية هو الضامن الحقيقي لإستمرارية المشروع الوطني و السلاح الفعال لكسب معركة التحرير و التصدي لكل مؤمرات الأعداء، و ما أكثرها،  و الوسيلة الانجع لضمان التفاف كل فئات الشعب الصحراوي  حول ممثله الشرعي و الوحيد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب و تسخير كل الطاقات و الإمكانيات و الجهود لتحقيق الأهداف الوطنية .

لقد تفطن الآباء المؤسسون لبوادر المشروع الخطير الذي كان يعد له في الخفاء بين المحتل الإسباني من جهة و المملكة المغربية و النظام الموريتاني أنذاك من جهة اخرى و المتمثل في تقسيم وطننا و تقاسم ثرواتنا ، و أدركوا  جيدا حجم الخطر و أبعاد  المؤآمرة  الكبرى التي كانت تحاك خلف الكواليس ، فسارعوا الي استباق الأحداث عبر البحث عن وسيلة  تمكن شعبنا   من  مواجهة كل المخططات  الهادفة الي الالتفاف على حقوقه و مصادرة آماله و تطلعاته ،  من ذلك المنطلق جاءت فكرة إعلان الوحدة الوطنية، لتكون السد المنيع الذي يحمي مشروعنا الوطني ويصون حقوقنا و يحافظ على هويتنا كأمة لها مقوماتها الثقافية التي تميزها عن كباقي شعوب المنطقة، و منطلقاتها السياسية التي تساهم من خلالها في إرساء الامن و الاستقرار في ربوع منطقتنا.

بعد دراسة عميقة لكل المعطيات الميدانية و تحليل شامل لحيثيات الوضع على كل المستويات  ، انطلقت   التحضيرات و التعبئة على امتداد التراب الوطني حيث شملت كل أماكن  تواجد  مناضلو و مناضلات الجبهة الشعبية  لتتوج باجتماع عين بنتيلي التاريخي في الثاني عشر من اكتوبر سنة 1975  الذي حضره ممثلون عن كافة فعاليات و أطياف المجتمع الصحراوي آنذاك في مقدمتهم اعضاء ما عرف بالجماعة و شيوخ القبائل و قيادات الجبهة، و انبثق عنه الإعلان عن قيام الوحدة الوطنية تحت شعار” نموت موحدين و لن نعيش مقسمين”، حيث تم  حل ما عرف بالجماعة تكريسا لأحقية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب بالتفرد بتمثيل الشعب الصحراوي و التحدث باسمه و الدفاع عن حقوقه المشروعة في كافة المحافل الدولية من أجل تحقيق أهدافه و تطلعاته المتمثلة في الحرية و الاستقلال و إقامة دولة ذات سيادة على كامل ترابه الوطني ، دولة تضمن العيش الكريم لكل مواطن صحراوي دون تمييز على أي أساس كان ، عرقي ، ديني ، ثقافي أو إيديولوجي.

الظروف المحيطة بإعلان الوحدة الوطنية:

لقد جاء الإعلان عن قيام الوحدة الوطنية في ظروف بالغة التعقيد و الصعوبة على كل المستويات ، الوطني ، الجهوي و الدولي، إذ مثل  ذلك الإعلان في حد ذاته انتصارا كبيرا ، كونه  ابان عن قدرة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب على التعبئة و التجنيد رغم كل التحديات التي فرضتها صعوبة الظروف و محدودية الإمكانيات و فوق هذا وذاك أظهر تمتع قيادات وأطر الحركة بدرجة عالية من الحنكة و الذكاء السياسي و الاستراتيجي و بعد النظر، فلو لا الوحدة الوطنية لما استطاعنا الصمود لأكثر من خمسة عقود رغم تكالب الأعداء وتعدد المؤامرات  ورغم ضخامة الإمكانيات التي سخرت و لازالت مسخرة للنيل من صمودنا و ضرب مشروعنا الوطني ، ورغم تخاذل البعض و ارتمائه في أحضان العدو مقابل بعض فتات المادة. 

بالعودة الي الظروف التي أحاطت بإعلان الوحدة الوطنية و التي يمكن إيجازها في : 

على المستوى الوطني

لقد جاء الإعلان عن قيام الوحدة الوطنية في ظروف اقل ما يقال عنها أنها بالغة التعقيد و الصعوبة حيث طبعها :

  • حصيلة قرابة قرن من الاستعمار تمثلت في تفشي  الجهل والأمية و التخلف في كل الميادين.
  • مجتمع بدوي قبلي يعوزه الوعي السياسي ، يطغى عليه التخلف الفكري و تتحكم القبلية في كل تعاملاته ومفاصله.
  • محدودية الوسائل و الإمكانيات المادية  و صعوبة التحرك داخليا و خارجيا بسبب سيطرة المستعمر على كل مقدرات الحياة .
  • تجنيد المستعمر لعدد كبير من عملائه  (الشكامة ) لرصد كل تحركات المناضلين و ملاحقتهم قصد إفشال أي عمل أو تحرك  وطني يمكن أن يشكل تهديدا لوجوده.

على المستوى الجهوي :

لقد تميز الظرف جهويا بالتنسيق بين المستعمر الإسباني و الجيران في الشمال ،المملكة المغربية  وفي الجنوب موريتانيا لمحاصرة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب و الالتفاف على قرارات الأمم المتحدة من خلال العمل على إجهاض مشروع الاستفتاء والتحضير للمسيرة السوداء التي انطلقت في الواحد و الثلاثين من اكتوبر سنة 1975 و كذلك الإعداد لما عرف لاحقا باتفاقية مدريد المشؤومة التي تم بموجبها الاتفاق على  تقسيم وطننا و تشريد و إبادة شعبنا في الرابع عشر من نوفمبر من نفس السنة، و ما رافق كل ذلك من محاولات التشويش و التشويه و التضليل سعيا للطعن في أحقية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب بالتفرد بتمثيل الشعب الصحراوي عبر خلق حركات موازية و الترويج لها في ظل تعتيم إعلامي غير مسبوق على كل ما يتصل بحقيقة ما يجري في االإقليم.

على المستوى الدولي :

أما على المستوى الدولي فقد تمثلت صعوبة الوضع في اشتداد ما عرف بالحرب الباردة آنذاك بين القطب الشيوعي ممثلا في الاتحاد السوفيتي سابقا من جهة و الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية ، و اتساع المد التحرري المعادي للإمبريالية العالمية و المناهض لكل السياسات الاستعمارية ، هكذا توجه جعل كل حركات التحرر محسوبة على المعسكر الشيوعي و هو ما أدى الي تصنيفها كعدوا طبيعيا لمصالح أمريكا و كل من كان يدور في فلكها من ممالك و أقطاب الرأسمالية العالمية ممثلة في الغرب بصفة عامة  وهو السبب الذي دفعهم الي الوقوف  بشكل علني  و بكل ثقلهم في الصف المعادي للشعب الصحراوي و ثورته ،مسخرين في ذلك  كل امكانياتهم الإعلامية و المادية لإجهاض مشروع قيام دولة تقدمية في شمال غرب افريقيا ستشكل بكل تأكيد تهديدا مباشرا لكل مصالحهم في المنطقة، حيث وصل الأمر الي التدخل العسكري المباشر لاحقا  ضد الصحراويين كما فعلت فرنسا سنة   1977 محاولة منها لحماية مصالحها في موريتانيا، ناهيك الدعم العسكري و اللوجستي و السياسي  السخي الذي قدموه و لازالوا يقدمونه للنظام المخزني المحتل و هو ما تسبب و يتسبب في إطالة معاناة شعبنا و حرمانه من التمتع بحقه غير القابل للتصرف في الحرية و الاستقلال ، و ذلك رغم تشدقهم بالدفاع عن الشرعية الدولية و حقوق الإنسان و حرية التعبير و قيامهم بخوض حروب طاحنة و إسقاط أنظمة تحت هذه الذرائع التي لا  تعدو كونها مجرد غطاء لتمرير مخططاتهم و الحفاظ على مصالحهم إلا أكثر و لا أقل.

أهداف الوحدة الوطنية : 

بالنظر إلى الظروف المعقدة و الجد صعبة التي رافقت الإعلان عن قيام الوحدة الوطنية، كان من الطبيعي جدا أن يكون التركيز قائما أساسا على توفير الشروط الضرورية و العوامل  الأساسية لضمان استمرارية المشروع الوطني و بالتالي خلق كل سبل و مقومات الصمود على اعتبار أن  القناعة السائدة إذ ذاك هي أن الثورة ستكون طويلة الأمد و أن حربنا مع الأعداء قد تمتد الي عقود ، وهو ما كان بالفعل ، لذلك كان الجهد منصب على توفير الأرضية المناسبة ووضع اللبنات الأساسية للتأسيس لإستراتيجية تضمن للحركة القدرة على الصمود و التكيف مع كل المعطيات و المستجدات الميدانية للتصدي لكل مخططات و مناورات الأعداء و مواجهة مغالطاتهم و كل مشاريعهم ، وذلك لم يكن ليتأتى إلا من خلال تحقيق هدفين أساسيين،  وهما : 

  • ضمان التفاف الشعب الصحراوي بكل فئاته و مكوناته حول ممثله الشرعي و الوحيد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء. 
  • توحيد كل الجهود و الطاقات  و تجنيدها لخدمة الأهداف الوطنية المتمثلة في الوصول بالمشروع الوطني الي بر الأمان عبر تحقيق خيارات و تطلعات شعبنا المتمثلة في الحرية والاستقلال و إقامة دولته ذات السيادة على كامل ترابه الوطني و التي تستجيب لآماله و تستمد اسسها و مقوماتها  من عمقه الإسلامي العربي و الإفريقي.

هذان الهدفان لم يكن تحقيقهما ممكنا  إلا عبر إيجاد وسيلة ناجعة للتغلب على التركة الاستعمارية الثقيلة ، وسيلة تمكننا من  توحيد الصفوف و محاربة التفرقة بكل أشكالها و القضاء على كل أسبابها لحشد  كل الطاقات و تسخيرها لخدمة المصلحة العامة و لا شيء  سوى المصلحة العامة و تجاوز كل الخلافات  البينية  الشخصية منها أو  القبائلية مهما كان نوعها او مصدرها خدمة للقضية الوطنية، و قد كانت الوحدة الوطنية هو الخيار الأمثل لتحقيق كل هذه الأهداف مجتمعة حيث أثبتت الايام و الأحداث بما لا يدع مجالا للشك ليس فقط صواب ذلك الخيار  بل و استراتيجته الي أبعد الحدود.

الوحدة الوطنية أم المكاسب و صانع الانتصارات:

كل المكاسب و الانتصارات التي تمكنا من تحقيقها على مدى قرابة الخمس عقود من الكفاح و الصمود و المقاومة المستميته في كل الجبهات و على كل الأصعدة ، في الميدان العسكري ، في المجال الدبلوماسي ، على صعيد حقوق الإنسان و في المعارك القانونية التي نخوضها لحماية ثرواتنا و مواردنا الطبيعية من النهب و الاستنزاف ، كل هذه المكاسب  و الإنجازات  ما كانت  لتتحقق لولا مكسب الوحدة الوطنية،  فرغم كل محاولات الأعداء و مؤامراتهم و مخططاتهم الجهنمية ، التي سخروا لها إمكانيات هائلة و استخدموا فيها كل الوسائل المتاحة المشروعة و غير المشروعة و استعملوا فيها ، و اللأسف الشديد بعضا من أبناء جلدتنا باعوا ضمائرهم للشيطان و فضلوا بعض فتات المادة و فضلات المخزن على مصلحة شعبهم و خدمة وطنهم ، كل ذلك لم يفلح في النيل من صمودنا أو التأثير على قناعاتنا و إيماننا بعدالة قضيتنا و تمسكنا بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب كممثل شرعي و وحيد للشعب الصحراوي،  ذلك التمثيل الذي تكرس قانونيا منذ ايام من خلال حكم محكمة العدل الأوروبية، و كون الدولة الصحراوية هي اليوم حقيقة دولية ، قارية و جهوية لا رجعة فيها و يحسب لها حساب في معادلة السلام و الأمن الاستقرار في المنطقة ، كل هذا يعود كل الفضل فيه الي مكسب الوحدة الوطنية التي هي بحق أم كل المكاسب و صانع الانتصارات و الضامن الفعلي لإستمرارية و نجاح مشروعنا الوطني.

الوحدة الوطنية…الرهان و التحديات:

منذ عودة الحرب في الثالث عشر من نوفمبر الماضي و تلقي العدو لضربات متتالية موجعة ، عسكريا ، دبلوماسيا و قانونيا و نظرا للحساسية البالغة التي تعرفها المرحلة ، بسبب المتغيرات الجيوسياسية  التي تعيشها منطقتنا و بفعل المعطيات  التي فرضتها عدوة الحرب، و ما رافقها من توتر على مستوى علاقات العدو مع الحليف الإستراتيجي الجزائر،  بعد ارتماء المخزن في أحضان الكيان الصهيوني و ركوبه قطار التطبيع ظنا منه أن ذلك سوف يقلب موازين الأمور لصالحه لجهة حسم القضية الصحراوية خاصة بعد تغريدة ترامب ، و في ظل الضغوطات الهائلة التي يتعرض لها المخزن ، فإنه في المقابل يعمل جاهدا و بكل ما أوتي من قوة و إمكانيات   على ضرب جبهتنا الداخلية من خلال إستهداف وحدتنا الوطنية عبر إثارة النعرات القبلية و زرع البلبلة عبر نشر كم هائل من الشائعات و الاكاذيب و المغالطات مستغلا في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي و مستخدما بعضا من ضعاف النفوس و العقول من بيننا ، سعيا  منه للتأثير على معنوياتنا و شغلنا عن المعركة الحقيقية من  خلال جرنا الي معارك جانبية بينية هو المستفيد الوحيد منها، من هذا المنطلق و اعتبارا لكوننا  نعيش مرحلة في غاية الحساسية و الدقة يتطلب التعامل معها الكثير من الحذر و اليقظة و الفطنة في التعاطي مع كل الأحداث و المعطيات و الأخبار، لتفويت الفرصة على العدو و إفشال مخططاته الرامية إضعافنا و القضاء علينا من خلال ضرب وحدتنا الوطنية بجرنا الي متاهات  وصراعات لا طائل من ورائها….في ظل كل هذه التحديات  يجب أن  يظل رهاننا الوحيد دائما على صون  وحماية وحدتنا الوطنية لأنها هي سر قوتنا و الضامن الحقيقي لرفع كل التحديات التي نعيشها للوصول بمشروعنا الوطني إلي بر الأمان عبر تحقيق أهدافنا الوطنية واسترجاع حقوقنا المغتصبة و طرد الاحتلال من كامل ترابنا الوطني….وليبقى شعارنا دائما و ابدا “نموت موحدين و لن نعيش مقسمين “.