في رحاب مخيم «أكديم إزيك»

في رحاب مخيم «أكديم إزيك»، هي عبارة اليوم عند الصحراويين ترسم الشموخ والعزة، وتؤكد أن جذوة النصر باقية، وأن ضوء روح الإبداع والابتكار عند المقاومة الصحراوية لا يخبو أو يتلاشى مهما كانت الظروف والتحديات، فعندما قررت جماهير شعبنا بالأرض المحتلة في العاشر من أكتوبر من سنة 2010 أن تنهي حالة الاستكانة وتجعله يوم انعطاف تنتصب فيه قامة الصحراويين كلهم، وهم ينصبون أول خيمة شرق مدينة العيون المحتلة، وتحديدا بمنطقة “أكديم إزيك”، على أعمدة وحدة وطنية صلبة وما إكتنفته من مد جماهيري عريض، ومن حالة تكافل إجتماعي فريدة، لتتعانق تلك  البقعة الطيبة مع كل نقاط تواجد الصحراويين، ويعلن فيها الشعب الصحراوي عن وحدة الحال، وتماسك الوجدان، وترابط المصير.

إن ذكرى «أكديم إزيك»، أكبر من إمكانية الحديث عن كل حيثياتها في مقال بسيط، فهي ستبقى تجربة فريدة في تاريخ المقاومة السلمية العالمية، تجربة جديرة بالتوقف والدراسة الفاحصة والشاملة، كمحطة نوعية ناصعة في صيرورة المقاومة الصحراوية، ولعظمتها دلالات تسمو فوق كل المعاني، زاخرة بأبعاد جليلة: روحاً وزخماً ويقيناً وعطاءً، ومما زادها عظمة وقداسة وفخرا واعتزازا هو يوم الأسير المدني الصحراوي المصادف للثامن نوفمبر.

لقد خاب ظن المحتل المغربي، وفاق صمود أسرانا في سجونه كل تصورات الغزاة، وبقي شعبنا بالأرض المحتلة، يقدم التضحيات تلوَ التضحيات التي دُونت سطورُها بالآلام، ومعانيها بالجراح، وحروفُها من دم شعب أعزل قدم آلاف الشهداء.

في الثامن نوفمبر، عيد الأسير المدني الصحراوي، نقف وقفة إجلال لأسرانا بسجون الغزاة، الذين أسسوا بصمودهم على غرار أسرى آكدز وقلعة مكُّونة وتازمامارت وجميع المخافر السرية لمدرسة تصنع الأجيال على مبادئ الكرامة والعزة والشموخ.

في صبيحة الثامن من نوفمبر ألفين وعشرة، مجازر مغربية في حق العنصر الصحراوي، ترتكب في حق الأبرياء العزل بمخيم “أكديم إزيك” من أطفال وشيوخ ونساء، لقد قتل وسر وشرد، فسقط الشهداء وخلدوا على غرار الناجم الكارحي، بابي الكَركَار، إبراهيم الداودي وسعيد دمبر، وتم أسر العشرات وما غيروا.

إن اقتراف الاحتلال المغربي لأبشع الجرائم في حق أبناء الشعب الصحراوي بعد ملحمة مخيم “أكديم إزيك”، يعيد تأكيد جملة من الحقائق جهد الاحتلال على مدار عقود في محاولات نفيها أو طمسها، أهمها: أن طبيعة التواجد المغربي بالصحراء الغربية هو احتلال بالمطلق، وأن طول سنوات الاحتلال وما رافقها من قتل واعتقال وتهجير وترهيب  وحصار، لم يؤتِ أياً من أهدافه، فستبقَ روح المقاومة والرفض باقية، بل ومتفجرة في وجه المعتدين بعد أن تجذر الحس الوطني عند جميع شرائح الشعب الصحراوي الملتف حول ممثله الشرعي الجبهة الشعبية.

أخيرا، إن  استحضار ذكرى “أكديم إزيك”، والعيد الوطني للأسير المدني الصحراوي، هي مسؤولية تتجدد تجعلنا نستعيد اليقين الصحراوي في الحرية والاستقلال، الذي لم ولن تعدل منه ولا فيه كل دسائس الاحتلال ومكائده، فحرية الشعب الصحراوي حق أزلي لا يمكن لأي كان أن يناقش فيه، ولا يحق له أن يجادل حتى في مفرداته؛ وستبقَ الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب القادرة على جمع  الكلّ الصحراوي، شامخة رغم أنف الأعداء، ولا تساوم على الحق المشروع لشعبنا، والقادرة دوما على إغلاق المنافذ التي يمكن لأعداء الشعب الصحراوي النفاذ منها لتنفيذ ما عجزوا عنه  بلغة النار والحديد.‏

يدرك الشعب الصحراوي الصامد الذي يأبى الإنكسار، أن كفاحه التحرري ليس خياره فقط، بل قدره للحسم في الوجود والمصير، حتى لو إعترضته بعض العقبات هنا، أو واجهته بعض التحديات الآنية هناك، وسيبقَ كفاحه، كفاح أجيال وماضٍ في طريق الحق مهما كان الثمن؛ وأستسمح  الشاعر الموريتاني أحمدو ولد عبد القادر، أن أقتبس من قصيدته ما تردد اليوم الجماهير الصحراوية في كل أصقاع الدنيا:

نحن شعب قد صلّبته المآسي ====== سهرته الآلام والنكبات

نسكن النار لا نبالي لظاها ====== زادنا العزم والإبا والثبات

نتلقى الشهيد عزا ونصرا ======= والضحايا توديعهم حفلات

ونغني للموت بل ونراها ======= في سبيل الحياة هي الحياة

ونغني حتى الجراح تغني ====== في الجماهير تكمن المعجزات

وحرب التحرير تضمنها الجماهير

بقلم : لحسن بولسان

ملاحظة: هذا المقال سبق أن تم نشره ببعض المواقع الصحراوية الوطنية و يتم إعادة نشره بموقع الصحراء الغربية 24 نظرا لما يمثل هذا الحدث من قيمة  في تاريخ الشعب الصحراوي.