الوحدة الوطنية : مفهوم ، إستحضار وإستشراف

العود محمي بحزمته ضعيف حين ينفرد ،في هذه العبارة المستوحاة من تجارب الإنسان في الحياة ، أكثر من عبرة ودلالة على أهمية الوحدة والتلاحم في مواجهة أي تهديد قد يستهدف الكينونة لأي تجمع بشري مهما قل تعداده أو كثر ، فالقوة في عرف الشعوب والمجتمعات تبدأ تدريجيا من تعاضد شخصين فأكثر ، إلى تلاحم مجموعتين فما فوق ، إلى تضامن شعبي شامل ، لكن هذه القوة المتصاعدة بهذه الوتيرة تبقى ناقصة إذا لم يرافقها الإيمان المتين والعزيمة الفولاذية والشجاعة المطلوبة لبلوغ الهدف المشترك ، ومع هذا لا تصل هذه القوة أيضا إلى ذروتها إلا إذا كانت مؤسسة على الحق والمساواة ، وهذان عاملان أساسيان في تبديد ظلمات الظلم التي قد تؤثر على الإنسجام العالم .
بهذا المفهوم المتكامل لمعاني ودلالات الوحدة وضمان سلامتها ، تدبر الصحراويون أمر مصيرهم في وجه مناورات الأعداء ودسائسهم ، وبدأ فهمهم لحقيقة الوحدة يتعزز يوما بعد يوم مع طردهم الإستعمار الإسباني بفضل الإنضواء تحت لواء ممثلهم الشرعي والوحيد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ، التي تأسست في 10ماي 1973، وتبلور في إطارها هذا المفهوم بوضوح وفعالية كبيرة عندما أعلن الصحراويون عن قيام وحدتهم الوطنية في 12 أكتوبر 1975 بعين بنتيلي ، أين أصبح ذلك اليوم مشهودا وعلامة فارقة في تاريخ الشعب الصحراوي المعاصر ، وكان بالفعل سرا عظيما واجه به هذا الشعب المناضل الغزو المغربي لاحقا في 31 أكتوبر من العام 1975 ، وأخرج به موريتانيا “الدادهية” من نزاع الصحراء الغربية في 5 أغسطس 1979، وما زال يتصدى بعظمته للإحتلال المغربي الغاشم ، الذي سبق له أن إستهزأ بحق  الصحراويين في الوجود ، حين قرر إبادتهم عن بكرة أبيهم ذات أسبوع من زمن تجاوزت فيه أحلامه التوسعية حدود الإنسان وجغرافيا التاريخ ، لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن عندما تكسرت تلك العنجهية على صخرة الوحدة الوطنية التي جمعت من مقومات الصمود ومآثر البطولة لدي الصحراويين ما مكنهم من التصدي لكل السيناريوهات العدائية ، وبالتالي كانت روح الوحدة الوطنية حاضرة في أذهان وقلوب كل الصحراويين لما تتيحه من قوة خلاقة أمام حبائل الأعداء ومناوراتهم ، فكان أن حققت للشعب الصحراوي من المكاسب العملاقة والإنجازات الباهرة ما لم يتوقعه العدو قبل الصديق من شعب بدوي أعزل إلا من الإيمان بحقه المشروع وبعدالة قضيته الوطنية ، والفضل في ذلك يعود بطبيعة الحال إلى إلتفاف هذا الشعب على إختلاف تواجداته ومكوناته حول رائدة كفاحه ونضاله جبهة البوليساريو ، فضلا عن إعتزازه المنقطع النظير بدولته الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية الوطن والكيان الحاضن لكل الصحراويين أينما وجدوا ، والذي يقع على عاتقه صون كرامتهم وحفظ حقوقهم المشروعة في الحياة الحرة الكريمة .
 إن هذه المكاسب العملاقة التي تم تحقيقها بالروح والدم ، وبالعرق ووحدة الصف والمصير المشترك ، شكلت بدورها تحولا كبيرا على طريق التحرير والبناء  وجعلت القضية الصحراوية تتبوأ مكانتها وبقوة في المحافل والمناسبات الدولية ذات الصلة بحق الشعوب في تقرير المصير والاستقلال ، ما أكسب الشعب الصحراوي مواقفا مشرفة من التأييد والمساندة في العديد من أنحاء العالم ، مواقف كان أساسها عدالة قضية وإرادة شعب وحق ثابت في إطار الشرعية الدولية ، وهذه كلها سمات تدعو إلى شحذ الهمم اليوم وتعزيز اللحمة الوطنية وتوجيه كل الجهود لربح المعركة المصيرية لا سيما في هذا الظرف المواتي ، الذي تمكن فيه جيش التحرير الشعبي الصحراوي من إستعادة زمام المبادرة بعد الإنتهاك الصارخ لإتفاق وقف إطلاق النار من طرف الاحتلال المغربي ، هذا الأخير الذي أخطأ ثانية في تقديره لقوة البوليساريو وعزيمة مناضليها على الخلاص من كل أشكال الظلم والطغيان .
إن إحياء الشعب الصحراوي للذكرى 46 للوحدة الوطنية في هذا الظرف الحساس ، لهو فرصة لإستحضار الماضي بكل تجلياته لأخذ العبرة وتحديث المسار بما يلزم ، كما أنه مدعاة لإستنفار الحاضر لرص الصفوف وتعزيز الثقة في المشروع الوطني مثلما هو مناسبة أيضا لمراجعة الذات وتجديد العهد للشهداء والوطن ولهذا الشعب المظلوم بغير وجه حق .
بقلم : محمد حسنة الطالب