الفعل الوطني : بين الخالص والمشبوه !

بقلم : محمد حسنة الطالب

الفعل الوطني في نظري، هو كل عمل أو نشاط يخدم شأنا وطنيا معينا، وينبري إليه المواطنون جماعات أو فرادى بدافع الغيرة والقاسم المشترك، والهدف من ورائه دائما هو تحقيق المصلحة العامة للجميع دون تمييز أو استثناء أو إقصاء.

بهذا التصور يمكن لأي كان الفصل بين كل فعل وطني خالص، وأي فعل آخر قد يخدم المصلحة الخاصة تحت مسميات عدة، عامة ولافتة كـ«الوطنية، وعهد الشهداء، ومصلحة الشعب » مثلا، وهذا النوع من الأفعال غالبا ما يتم التظاهر في أثنائه بنكران الذات والمثابرة والتفاني كدليل على الإخلاص وصدق النية، وهذه صفات وميزات حميدة، لكن الغريب فيها هو أنها مؤقتة ومرتبطة ببلوغ الغايات الضيقة للقائمين على ذلك الفعل أو ذلك النشاط، ورغم ذلك من الأفضل ترك الحكم على النوايا وبعض التصرفات جانبا، حتى لا تتم  معالجة الخطأ بالخطأ، وليكون النظر مصوب تحديدا نحو الأثر الذي يتركه أي من الفعلين على الساحة الوطنية، فالعبرة في الأساس بالنتائج وبتحقيق الأهداف المقصودة، فإذا تجلت النتائج وتبلورت الأهداف الحقيقية وكانت تصب في مصلحة الجميع، وتنشد إحداث تحول محسوس يعزز من الآمال والتطلعات الجامعة في أي مجال من مجالات الحياة الوطنية، كان الفعل وطنيا بمعنى الكلمة، وناجحا بمقاييس المصلحة العامة التي يجب أن تكون دائما وأبدا مبدء مقدرا يسمو فوق كل الإعتبارات.

أما إذا كانت النتائج تصب في أغراض ومآرب ضيقة كالميول الى الذاتية والمحسوبية والقبلية وغيرها من المتاهات التي يغطيها رداء النفاق، كان الفعل مشبوها بحكم التلبس والأنانية المفرطة، وبذلك يكون بعيدا كل البعد عن صفة الوطنية وخدمة المصلحة العامة، وبالتالي لن يكون له أثر إيجابي في الحقل الوطني، بقدر ما قد يخلط الصالح بالطالح، ويصبح الغث طورا سمينا، والسمين أطوارا هزيلا.

وفي أرضية هذه حالها يصبح كل فعل وطني خالص، مستهدف ومعرض للشك والتشويه وهنا تصبح الرؤية ضبابية وغير واضحة، وربما تختل المقاييس لدى الغالبية من الشعب في هذه الحالة وتصبح رؤيتها لما يجري في الواقع متأرجحة بين الجد أحيانا في خدمة المصير واللعب أخرى به، وبين التصديق تارة بحتمية تقريره والتشكيك أخرى في جدية الدروب المؤدية إليه، ولعل السر في ذلك كله هو ذلك التسامح الكبير والتغاضي المشؤوم الذي أدى الى التماهي بين الفعلين، كون أي منهما يحمل صفة الوطنية وفقط، بغض النظر عن نتائجه السلبية في ظل الغياب الواضح للرقابة الدائمة والمحاسبة الصارمة؛ ومن هنا تتداخل المصلحة العامة والخاصة ويصبح هناك فعلان هما في الواقع وجهان لعملة واحدة أصبحت متداولة في سوق العمل الوطني وفي نهج السياسة العامة عندنا، أحيانا تدر أرباحا صافية، وأحيانا أخرى تدر أرباحا مزيفة، وهذه العملة هي «الوطنية» التي أصبح كل من هب ودب يتشدق بها ويتظاهر بها في كل مواقع الفعل والنضال، لا بل أن أكثر من يمتلكها اليوم زورا  هو العدو قبل الصديق، كونه يستهدفنا بشتى الطرق والأساليب ولايجب أن يؤتمن جانبه .

إن المتمعن في هذه العملة لا يمكن أن ينكر التباعد البين بين وجهيها المختلفين لا سيما من حيث الأثر والمضمون وتلك مسألة تجعل الفرق بينهما عند الوصول الى النتائج كالذي بين الجنة والنار، إذ أن الخالص منهما يبني، والمشبوه فيهما يهدم، ولعل الواقع اليوم أصبح على رأي المثل الصحراوي المشهور «هدام أغلب بناي».

وللعودة إلى الصواب، هناك مثل صحراوي آخر يقول: «كل أيد ماسحة عن أوجها« بدليل أنه «ما يصح إلا الصحيح» والصحيح هو ما انطلقنا من أجل خدمته وتحقيقه بنظرة شاملة وموحدة دون أدنى غبن أو تفضيل أو تفاضل وفق نظريات خاطئة، والخطأ والجريمة النكراء في حق الشهداء، هو ما أصبح البعض بصدده اليوم، في حول ظاهر وتراجع مشهود عن أنبل المبادئ وأشرف المقاصد التي تأسست من أجلها الحركة والدولة الصحراويتين منذ ما يربو على أربعين عاما من المقاومة والصمود ومن المكاسب الجبارة، التي لا مجال بعدها للتخاذل أو التراجع