اللغة العربية: قواعد بين الأخذ والرد

بقلم : محمد حسنة الطالب

لقد أصبحت قواعد اللغة العربية تشكل عائقا كبيرا في نظر الكثير من أجيال اليوم ، مما دفعهم إلى الإهتمام باللغات الأجنبية ، والإكتفاء بالتداول العشوائي للغتهم الأم ، يحدث هذا في الوقت الذي نرى فيه أعدادا من الأجانب يتقنون لغتنا العربية في مختلف المجالات ، على سبيل الدراسة والتحليل ، وفي بعض المناصب والمسؤوليات ، وفي مجال الإعلام بمختلف وسائطه المعروفة ، وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي .
وهذا ماجعل بعض دكاترتنا وأساتذتنا ومثقفينا المهتمين باللغة العربية والغيورين عليها ، يعكفون كل من جانبه على جعل تعليمها في متناول الجميع وبطرق شتى في التبسيط رغم المآخذ الكائنة على رؤية بعضهم في كيفية التلقين والتدريس .
هنادا طه ، دكتورة لبناية تدرس اللغة العربية في جامعة زايد بالإمارات العربية المتحدة ولها تجربة معتبرة في ميدانها ، حيث نشرت العديد من الابحاث والكتب وأعدت منهاجا تراه كفيلا بتعليمها للناطقين بها ولغيرهم .
تقول الدكتورة « لو بيدي مسألة تعليم اللغة العربية في العالم العربي ، لأنهيت مسألة النحو والقواعد كليا من المدارس »
وترى أن البديل حسب قولها هو « أن نغمس الطلبة بالقراءة ، وأن نغمرهم باللغة العربية ، وأن نحيطهم بها من كل جانب ، ثقافة وعلما وفكرا »
هنا أختلف شخصيا مع الدكتورة ، والاختلاف لا يفسد للود قضية كما هو معلوم ، فرغم تجربتها المريرة التي أحترمها ورغبتها الجامحة في جعل اللغة العربية تجري على كل لسان ، إلا أنني أرى أن التعليم الناجح هو ذلك الذي ينبني على أسس مدروسة لا مجال فيها للعشوائية أو النظريات السطحية ، ومن هنا أشك في عدم جدوائية الطريقة التي تراها الدكتورة كفيلة بتعليم اللغة العربية بسهولة ، وأظن أن ما ذهبت إليه لن يؤدي سوى إلى لغة مشوهة وعرجاء لا تتوكأ على أي أسس يمكن أن تقومها أو تمنعها من أن تضل سبيلها .
فاللغة السليمة لا بد لها من قواعد ، هي في الأصل بمثابة إشارات على الطريق إلمؤدي إلى كيفية التمكن من ناصيتها ، بحيث يبعدك إتباع هذه القواعد عن أساليب الالتباس في معانيها ودلالاتها ، وعن الخلط بين جملها وعباراتها ، ويحول دون تبدد أفكارك في متاهات التلاعب بأغراضها وفنونها المتنوعة ، وبالتالي فمن الأجدر تبسيط هذه القواعد لا إلغاؤها نهائيا كما تقول الدكتورة ، ولعل ذلك من السهولة بمكان ، ولنا في تجربة الأستاذ الفلسطيني الكبير عارف حجاوي مثالا ، وهو الذي بحث في هذا الشأن وطلع علينا بعدة مؤلفات مفيدة في هذ الصدد ، نذكر منها على سبيل المثال كتابه ” اللغة العالية ” الذي تضمن تبسيطا مقتضبا لمختلف قواعد اللغة العربية ، يجعل الدارس يستنبطها دون عناء ويطبقها مع الوقت دون مشكلة ، وبذلك يكون هذا الأستاذ قد أسس لمنهاج جديد يستوفي الشروط اللازمة لسلامة اللغة العربية كتابة ، تركيبا ، ونطقا ، ويحصنها من متاهات التدوال الخاطئ والفهم المبتذل .
فاللغة العربية قد يتكلمها الكثيرون ممن لم يقرأوا قواعدها ، ولكن بطريقة عشوائية فيها الخطأ والصواب ، وفيها الأصلي والدخيل ، وعليه فهذه ليست لغة بالمعنى الصحيح ، كونها أشبه باللهجة غير المكتوبة وغير المقروءة ، والتي هي عبارة عن خليط من الكلمات والمصطلحات الملتقطة من كل حدب وصوب ، تتداخل فيها ثقافات متعددة نتيجة الإحتكاك وعشرة الدخلاء .
نحن اليوم نعيش في عالم تملكته العولمة حتى النخاع ، واصبح من سماته السرعة وجنوح البعض إلى القفز على دلالات الماضي وأبعاده التأريخية التي تبرهن على أصالة الأمم وعراقتها . وتجاوز مثل هذه المقومات الثمينة بأفكار ساذجة أملتها الآلة المتطورة بدل الفكر النير ، والسطحية العمياء بدل الغوص في ماهية الأشياء والتشبث بأصولها ، يعد انسلاخا من الهوية وانفصاما في الشخصية.
في عصرنا هذا أصبحت الآلة هي الذكية ، وبات الإنسان غبيا للأسف ، يسبح في ظلمات أوجدها صناع التكنولوجيا  للتحكم في عقله ، وهي التي جعلته يفتقد إلى نعمة التأمل والإدراك لماضيه وحاضره ، وإلى ما سيؤول إليه مستقبله .