المخزن مؤتمن على حقوق الإنسان في عالم النفاق!

ربما ظهر الموقف صادمًا لكثير من المؤمنين صدقًا بقيمة الإنسان وحقوقه المقدسة في كل الشرائع السماوية والوضعية على السواء، لكن لا نعتقد أن تكليف النظام المغربي من قبل بعض ممثلي المجتمع الدولي مؤخرا برئاسة اللجنة الأممية لحقوق الإنسان أمرا خارجًا عن نسق الأحداث الجارية اليوم فوق هذه المعمورة الظالم أكابُرها.

ما معنى منْح دولة استعمارية توسعيّة، ترتكب منذ نصف قرن كل الجرائم البشعة في حق الإنسان الصحراوي وتعرقل تفعيل القرارات الأممية المتعلقة بتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، باعتبارها قضية مدرجة تحت البند السابع للأمم المتحدة، وتتنصل من اتفاقاتها الملزمة بوقف إطلاق النار مع البوليساريو منذ سبتمبر 1991؟ إلا إذا أصبح الاحتلال، بكل ما يمثله من اعتداء على حق الآخرين في الحياة والسيادة والاستقلال والحرية، سلوكًا مقبولا في عالم القوة الباطشة المهيمنة اليوم في العلاقات الدولية.

أي رسالة يبعث بها المؤيدون لائتمان النظام المغربي على حقوق الإنسان عالميّا؟ وهم يعلمون أن المملكة العلوية مصنفة منذ سنوات ضمن أكبر البؤر نشرا لسموم المخدرات وفق التقارير الدوليّة، وأنّ استهداف دول الجوار عبر حرب المخدرات سياسة ممنهجة داخل قصرها الملكي، ينفذها صقوره النافذون للتربّح الخاص، باعترافات علنيّة منهم، عندما تتضارب مصالحهم في الصراع على العرش، إلا إذا اكتشف عالم النفاق أن “الزطلة” مفيدة لصحة الإنسان وليست ضارّة بحقوقه، ولا هي ضمن الآفات التي تحظرها قوانين الدول وتلاحق لأجلها عصابات التهريب.

أي تناقض أخلاقي صارخ ذاك الذي يعيشه الموقف الغربي الأمريكي والأوروبي؟ حين يدعم المغرب ليكون على رأس هيئة حقوق الإنسان الأممية، بينما تقاريره الحديثة تدينه سنويّا، وآخرها ما ورد بخصوص تعذيبه للمعارضين السياسيين وتنكيله بالصحفيين والحقوقيين المحبوسين تعسفيّا خارج القانون، حتى أن وزير عدل سابق يقبع حاليّا في سجون القصر، ولعله أحسن حظّا في كل الأحوال من الطبيب العسكري، مراد الصغير، الذي تمت تصفيته على قارعة الطريق.

كيف قبلت دول أوروبيّة تزكية المغرب حقوقيّا بعد ما اقترفه من انتهاك مهين لخصوصيات قادة أوروبا نفسها بالتجسس الهاتفي؟ أما فضائح الرشاوى في البرلمان الأوروبي لأجل التأثير على موقفه من القرارات المتعلقة بالاستعمار في الصحراء الغربية فهي ترقى إلى مرتبة الاعتداء على السيادة الوطنية.

ولعلّ السؤال الأكثر حيرة، بينما يحمل جوابه في الآن نفسه الخبر اليقين، لتبديد اللبس والخلفيات الحقيقية وراء ائتمان المخزن على رعاية حقوق الإنسان هو الآتي: هل من المعقول منطقا وتاريخًا تقديم النظام المغربي في رئاسة تلك الهيئة الأممية المتخصصة على حساب دولة جنوب إفريقيا، بكل ما تعكسه من رمزية الكفاح الدولي ضد التمييز العنصري والنضال الإنساني في العصر الحديث؟

نظن أن هذه المفارقة هي بيت القصيد الذي يفك اللغز، ذلك أن التحالف الصهيوني قرّر معاقبة بريتوريا على مواقفها التاريخية القوية في دعم القضيتين الفلسطينية والصحراوية ومؤازرة عميله الوظيفي، ليبعث برسالة إلى كل أعضاء المجموعة الدولية أنّ من يجرؤ على المساس بمصالحه لا مكان له في لعبة الكواليس الأمميّة.

نحن نعيش الآن عصر الطغيان العالمي والنفاق الأخلاقي، حيث تسقط جنوب إفريقيا أمام المخزن في معركة الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا غرابة في ذلك، طالما أن النظام الدولي الجائر، بزعامة الولايات الأمريكية، يعتبر حركة المقاومة الفلسطينية إرهابا وممارسات القتل والإبادة الجماعية والتهجير القسري للكيان الصهيوني في غزة دفاعًا عن النفس.

كما أنّ ما جرى من مفارقة عجيبة ينسجم أيضا مع الواقع من أوجه أخرى، حيث لا يزال محمد السادس رئيسا للجنة القدس على مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي، في حين يقود أكبر مشروع تحالف عضوي مع الكيان الصهيوني، مثلما يتبجّح السفاح بن يامين نتنياهو، في معرض الردّ على اتهامات جنوب إفريقيا بمحكمة العدل الدولية، أن جيش العدوّ هو “الأكثر أخلاقية” في العالم، في حين تزعم راعيته الأمريكيّة أنّ كل الدعاوى القانونيّة في حقه باطلة ولا أساس لها من الصحة، مثلما ظلوا يرددون منذ عقود أن “إسرائيل” هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في “الشرق الأوسط”، ولا ندري هنا ما مفهومها وقيمها؟ إذا كانت لا تمثل عمليّا سوى إبادة الإنسان الفلسطيني وتجاوز كل القوانين الدوليّة.

هذا هو منطق الغطرسة والنفاق الذي يسود عالم الحداثة الماديّة في القرن الواحد والعشرين، بشعارات براقة خادعة، لكن العدوان الوحشي على غزة منذ أكثر من 100 يوم كشف كل الزيف العالمي، وأضعف حجة الحداثيين المستلبين حضاريّا، مثلما ستزداد البشريّة قناعة أن حقوق الإنسان مجرد ذريعة في النهاية، مثل قميص سيدنا عثمان، تشهرها القوى الكبرى في الوقت المناسب، لتنفيذ أجندتها المادية في أي نقطة من الكرة الأرضية، أو أيديولوجيا خاصة يراد فرضها على الآخرين باسم الكونيّة الكاذبة في إطار عولمة الثقافة الغربيّة تحت قاعدة “نهاية التاريخ” المفترى عليه.
بقلم:عبد الحميد عثماني

شارك الموضوع
%d مدونون معجبون بهذه: